رمضان في قيرغيزستان عبادة وموروث حضاري

وسائل الإعلام في آسيا الوسطى

للرمضان في قرغيزستان مظاهر أخّاذة، فهو بلدٌ تتجاور فيه الجبال الشاهقة والسهول الخضراء والبحيرات الصافية.. يحتضن أكثر من 6 ملايين مواطنٍ من مختلف الأصول العرقية والثقافات وأكثر من 80 % منهم مسلمون.. امتزجت عبر هذا البلد أفكار ومعارف وخبرات وخلاصة حضاراتِ العالم مُحمّلةً بقوافل «طريق الحرير».. يتعايش أهله بسلميةٍ في كنفه وتجمعهم صفاتُ الجود والأصالة والصبر والإبداع التي استلهموها من القيم الإسلامية وحياة ترحالٍ عاشها آباؤهم وأجدادهم، ويتجلّى إبداعهم وثقافتهم في العديد من الصناعات التقليدية التي تمّ إدراجها ضمن لائحة التراث العالمي لليونسكو.
سعادة سفير الجمهورية القيرغيزية لدى قطر، السيّد نوران نيازاليف تحدّث لـ الوطن عن أبرز معالم هذا الشهر الفضيل في بلاده وما يعنيه رمضان لأهلها، مستعرضاً العادات والتقاليد القيرغيزية المرتبطة بالشهر وأشهر المعالم الثقافية والسياحية في قيرغيزستان.
وتقدّم سعادة السفير بأطيب التهاني والتبريكات بمناسبة حلول شهر رمضان، آملاً أنْ يُعيده الله تعالى على الأمّة الإسلاميّة بالخير واليمن والبركات، وقال: «لرمضان عند مسلمي قيرغيزستان معانٍ كثيرة أكثر عُمقاً من مجرّد الامتناع عن الأكل والشرب، فهو شهر تزكية النفس وبدايةٌ جديدةٌ يسعون فيها إلى تعزيز قيم الخير والتسامح والوحدة والتكافل الاجتماعي لديهم».
ترحال
ونوّه السفير نيازاليف إلى التقارب الكبير بين الشعبين القطري والقيرغيزي، مؤكّداً أنّ الدينَ الإسلامي يُعزز هذا التقارب.
وأضاف: إنّ من أبرز ما يجمع قطر وقيرغيزستان هو أنّ ثقافة كلٍّ منهما لاتزال حتى اليوم تتجلى في صورةٍ واضحةٍ تنطقُ بتفاصيلِ حياة الآباء والأجداد، وقد بدا أثر البيئة المحيطة واضحاً في كثير من عادات الشعبين، لافتاً إلى أنّ «الثقافتين القطرية والقيرغيزية تستلهمان جمالهما من أسلوب حياة الترحال عندما كان آباؤنا وأجدادنا يشدّون الرحال بحثاً عن الماء والكلأ ويتجوّلون بين الجبال والمساحات الممتدّة تناغماً مع فصول السنة».
وقال: «لانزال حتى اليوم نرى الشعوب الرّحل (نوماد: NOMAD) في بلادنا، ونسعى للحفاظ على هويتنا وخصوصيتنا الثقافية من الذوبان في عصر العولمة والتكنولوجيا، من خلال تحقيق التوازن بين مواكبةِ التطوّر، والتمسّكِ بالتراث الثقافي وتعزيز القيم والهوية الوطنية، ومن أهمّ الفعاليات التي ننظّمها في هذا الشأن: مهرجان دورة ألعاب (الشعوب الرحّل) وهو من أهم الأحداث التراثية الرياضية على مستوى العالم».
وأوضح السفير أنّ الموروث الثقافي لقطر وقيرغيزستان يزخر بصفات الجود والأصالة والخير والصبر والجمال، ومنها حُبّ الخيل والإبل والصقور، مشيراً إلى لعبة «أولاك تارتيش: ULAKTARTYSH» التي تهدف إلى تعزيز روح الفروسية وتُعدُّ من أشهر الرياضات في قيرغيزستان.
تقارب كبير
وأكّد السفير القيرغيزي أنّ الأجواء الرمضانية في قطر لا تختلف عنها كثيراً في بلاده، قائلاً: «لم يمضِ على وصولي الدوحة سوى أشهر قليلة، وقد اعتدت العيشَ هنا وأشعر أنّني في وطني الثاني، زرتُ أماكن كثيرة، مثل سوق واقف ومتحف الفن الإسلامي وكتارا، ولمستُ تشابهاً كبيراً بين القطريين والقيرغيز يشملُ مظاهر حياتهم ونكهات أطباقهم الشعبية، وهذا التقارب الكبير في صفات وعادات شعبي البلدين ساعدني في التأقلم بسرعة، والأجواء الرمضانية هنا تتشابه إلى حدٍّ كبيرٍ معها في بلادي، حيث يحتفل مسلمو قيرغيزستان بكلّ بهجةٍ بحلول هذا الشهر الكريم، ويزداد إقبالهم على الزكاة والتصدّق والأعمال الخيرية».
أوزجابو- أوزاتشو
وأضاف: نستهلّ يومنا الرمضاني بوجبة السحور التي نسمّيها «أوزجابو» وصلاة الصبح، ونُقدّر اجتماع العائلة حول مائدة الإفطار التي نسمّيها «أوزاتشو».. ومن الطريف أنّنا إذا ترجمنا الكلمتين حرفياً تصبح الأولى «إغلاق الفم» أما الثانية «فتح الفم» بهذه البساطة، وتتّسم المدن والقرى القيرغيزية في رمضان بمسحةٍ دينيّةٍ؛ حيث تصدح جوامعها بترتيل القرآن الكريم وتعمر بالمصلّين خاصةً في صلاة التراويح وليلة القدر.
وذكر نيازاليف عدداً من المساجد التي تحتضنها بلاده، ومنها الجامع المركزي في العاصمة «بيشكك: BISHKEK» وهو مسجدٌ عريق بُني منذ أكثر من عشرين سنة، و«المسجد الأزرق» الذي يُزيّن المدينة القيرغيزية «نايرين: NARYN» ويعمر بالمصلّين خاصة أيام الجمعة وخلال رمضان في مشهدٍ تزيد جمالَه الهالة الإيمانية والطبيعة الخلابة.
وقال السفير: إنّ قيرغيزستان تسعى إلى بناء مساجد أخرى في بيشكك التي يسكنها أكثر من مليون شخص، منوّهاً إلى تعاون مؤسسة الشيخ ثاني بن عبدالله للخدمات الإنسانية «راف»، وبجهودها لِتنفيذ العديد من المشاريع التنموية والتعليمية والاجتماعية التي يستفيد منها الآلاف من أبناء الشعب القرغيزي.
«80» مجموعة عرقية
وبيّن السفير نيازاليف أنّ عدد سكان قيرغيستان يتجاوز 6 ملايين مواطنٍ من مختلف الأصول العرقية، ومنهم القيرغيز والأوزبك والكازاخ والروس والأوكرانيون والجورجيون والطاجيك وأكثر من 80 مجموعة عرقية تحتفل بتنوّعها الثقافي وتتعايش بسلميةٍ في كنف قيرغيزستان، لافتاً إلى أنّ الموقعَ الجغرافي لقيرغيزستان ومرورَ «طريق الحرير» خلالها والحضاراتِ العديدةَ التي تعاقبت عليها، خلّفت بين سكانها روحاً قوامها التسامح والانفتاح، فأصبح الشعب القيرغيزي شعباً سمِحاً ومضيافاً ومَرِناً في تعامله مع الغير، وكلّ هذه المميزات جعلت بلادَنا وجهةً سياحيةً لكلّ من يهوى اكتشاف ثقافات عريقة وثريّة بالتنوّع، هذا بالإضافة إلى ما تزخر به من طبيعةٍ خلابة، ومعالم أثرية يعود وجودها إلى قرون مضت».
وقال السفير نيازاليف إنّ قوافل طريق الحرير لم تكن محمّلةً فقط بالبضائع، بل حملت أفكاراً ومعارفَ وخبراتٍ وثقافاتٍ وخلاصةَ حضاراتِ العالم، ممّا زاد الشعب القيرغيزي ثراءً وتنوّعاً وانفتاحاً، مضيفاً: «لقد لعبت شبكة طريق الحرير دوراً أشبه ما يكون بالدور الذي تلعبه شبكة الإنترنت اليوم، فكانت تربط بين الصين وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا».
أطباق شعبية
ونوّه السفير إلى أنّ التنوع العرقي والثقافي لأهل قيرغيزستان ينعكس في الأطباق الشعبية الكثيرة التي يشتهر بها المطبخ القيرغيزي، ومن أشهرها طبق «بيش بارماق: BESHBARMAK» ويتكوّن من لحم غنم ورقائق عجين، حيث تُطهى رقائق العجين في مرق اللحم مع إضافة البصل وبعض التوابل ويُمكن إضافة البطاطا، ويُزيَّن الطبق عند التقديم بأعشاب خضراء كالكزبرة.
كما ذكر السفير طبق «البلوف: PLOV» الذي يعتمد على اللحم والأرز والجزر، وتضاف إليه عادةً ثمرة الثوم بكاملها لتُعزز النكهة كما يُزيّن بها الطبق عند التقديم، وطبق «مانتي: MANTI» وهو عبارة عن أقراص صغيرة من العجين محشوّة بلحم غنم أو يقطين أو خضراوات متنوعة، تُطهى بالغلي أو التبخير، وتُقدّم مدهونةً بالزبدة بجانب صلصة ثوم أو صلصة حمراء أو مع اللبن وبهارات الفلفل الأحمر.
أما بالنسبة لأطباق الحلو، أضاف السفير نيازاليف قائلاً: إنّ الفواكه الطازجة والمجففة دائماً تزين المائدة القيرغيزية، كما لدينا أطباق حلو مشهورة من بينها «تشاك تشاك: CHAKCHAK» وهو مزيجٌ من العجين والعسل، كما أنّ التمر مكوّنٌ مهمٌّ من مكونات المائدة الرمضانية، لكنّنا لا نزرع أشجار النخيل ونستورد التمور من البلدان العربية.
وأشار إلى أنّ للخبز أنواعاً في قيرغيزستان، ومنها قطع عجين مقلية تُسمّى «بورسوك»، وخبز «نان» الذي تخبزه ربّات البيوت في أفران التنور، وخبز «شباتي» المعروف، مضيفاً: «كانت أمي تقدم لنا خبز الشباتي بطريقةٍ مميزة في رمضان، حيث كانت تجففه وتسكب عليه الحليب والسمن الطبيعي».
وأوضح السفير نيازاليف أنّ الشاي في قيرغيزستان مشروب كلّ الأوقات والمناسبات، وأنّه يُقدَّم في زبدية (سلطانية) مزخرفة، كما قال إنّ حليب الفرَس من المشروبات التي اعتاد القيرغيز على تقديمها في شهر رمضان.
وحدةٌ ورقيٌّ ثقافي
ولفتَ السفير إلى أنّ الأسواق والبازارات الشعبية في المدن القيرغيزية تشهد إقبالاً هائلاً خلال رمضان، لاسيما في العاصمة بيشكك التي تبيع أسواقها مختلف أنواع البضائع، ومنها الصناعات اليدوية، والأواني الفخارية، وكؤوس الشاي المزخرفة، والحلي، والملابس المطرّزة، والعطور، والبهارات والفواكه المجففة.
ونوّه إلى أنّ الشعب القيرغيزي استمدّ إتقانه وإبداعه في الصناعة من حياة الترحال، مُشيراً إلى سجاد «شرداك: SHYRDAK» الذي يُعتبر من أهمّ الحرف اليدوية التي تُميّز قيرغيزستان وتعكس ثراء وتنوّع وأصالة الثقافة القيرغيزية، وهو أشبه ما يكون بلوحة فسيفساء زاهية الألوان والزخارف، موضحاً أنّ هذه الصناعة التقليدية القرغيزية قد تمّ إدراجها ضمن لائحة التراث العالمي لليونسكو.
وأشار السفير إلى أنّ الخيمة القيرغيزية من المكوّنات الثقافية التي تُميّز بلاده، قائلاً: «نسمّي الخيمة القيرغيزية (بيتنا الوطني)، وبإمكان المرء من مجرّد رؤية علم قيرغيزستان أن يُدرك مدى أهميتها وما تعنيه بالنسبة لشعب هذا البلد، حيث يتوسّط العلم رسمٌ يدل على قمّة الخيمة وهو الجزء الذي نُطلق عليه (تَندُك: TYNDYK) ويُعبّر عن وحدة شعبنا ورقيّ ثقافته».
«90 %» أراضٍ جبلية
كما نوّه نيازاليف إلى أنّ الشعب القيرغيزي يستلهم إبداعه أيضاً من الطبيعة، قائلاً: قيرغيزستان يمرّ عبرها أكثر من ألف نهر، وتحتضنُ أكثر من 3 آلاف بحيرة منها بحيرة «إيسيك كول:YSYK-KUL» التي يُطلق عليها اسم «لؤلؤة العالم» وتُعدُّ ثاني أكبر بحيرة جبلية في العالم، وأكثر من 90 % من أراضي قيرغيزستان هي أراضٍ جبلية، وهذا يزيد البلد جمالاً ويجعل السياحة فيه تجربةً فريدة على مدار العام. وأشير هنا إلى «جبل سليمان» وهو من أجمل الأماكن التي تعكس قدرة وجلال الخالق، وقد تمّ تصنيفه ضمن مواقع التراث العالمي في قيرغيزستان، ويقصد هذا الجبل شديد الارتفاع والانحدار الكثيرُ من مسلمي قيرغيزستان لزيارة المسجد الموجود في قمّته، كما تحتضن بلادنا «قمة لينين: LENIN PEAK» وهي أعلى قمة في قيرغيزستان وأحد أعلى القمم ارتفاعاً في العالم.وأضاف السفير أنّ بإمكان السياح الاستمتاع برحلات التخييم والتنزّه في المحميات الطبيعية وزيارة المواقع الأثرية والمتاحف والتزلّج على الثلج وتسلّق الجبال وركوب الزوارق.
فرص واعدة
وأوضح سفير الجمهورية القيرغيزية أهمّ القطاعات التي يرتكز عليها الاقتصاد القيرغيزي، قائلاً: «يعتمد اقتصاد قيرغيزستان على التعدين لثرائها بالموارد الطبيعية كالذهب ومعادن نادرة، وعلى الطاقة الكهرومائية التي تولّدها الأنهار المنهمرة من الجبال، والسياحة؛ حيث نسعى ليكون بلدنا من أهمّ الوجهات السياحية عالمياً»، منوّهاً إلى أنّ جميع هذه القطاعات بالإضافة إلى قطاعي الزراعة والبنية التحتية توفّر فرصاً واعدةً للمستثمر القطري.
وأكّد نيازاليف أنّ بلاده تفتح أبوابها ترحيباً بالشعب القطري وتدعوه للاطلاع على ما تتميّز به من طبيعةٍ ساحرة وموروثٍ ثقافيّ عريق، والكثير من المؤهلات التي تجعلها وجهةً سياحية واستثمارية مثالية، لافتاً إلى أنّ القطريين معفيّون من تأشيرة الزيارة لقرغيزستان منذ 2012.

المصدر: جريدة الوطن القطرية